|
ليس أمرًا جديدًا أن بعض الجراثيم تطوّر مقاومتها ضد المضادات الحيوية, تحصّنها من تأثيرها, وتجعلها معنّدة عليها, ولكن الجديد الذي يكشف عنه للمرة الأولى هو أن بعض الجراثيم «تضحّي» بحياتها وتضع حدًا لها في سبيل أن تبقى جراثيم أخرى من نفس السلالة, وفي سبيل استمرار وتطوير المقاومة للمضادات الحيوية لدى تلك السلالة.
هذا ما تكشفه دراسة حديثة نشرتها مجلة الطبيعة Nature في 2 سبتمبر 2010, ورغم أن الاكتشاف جاء بطريق الصدفة على يد فريق من العلماء من جامعة بوسطن, كانوا يدرسون الطفرات الوراثية التي تجعل العصيات الكولونية Escherechia coli مقاومة للأدوية, فإنه يُتوقع أن يلعب دورًا رياديًا في إطار البحث عن طرق جديدة لمكافحة الجراثيم المقاومة للأدوية في جسم الإنسان.
والمعروف عن العصيات الكولونية أنها من جراثيم الأمعاء العادية التي تتعايش مع جسم الإنسان في الحالات الطبيعية, دون أن تحدث أي مرض, إلا أنها تكون ممرضة أحيانًا, حيث يمكن أن تسبب الإسهال, وربما ما هو أخطر مثل القصور الكلوي وحتى الموت.
ووفق الدراسة الجديدة, فإن العصيات الكولونية عندما تصبح مقاومة لمضاد حيوي, تطلق جزيئًا يسمى الإندول indole لمساندة ودعم جيرانها غير المحصّنين, عبر مشاركتهم بذلك المركب الذي يعرف عنه أنه يساعد العصيات الكولونية على تحمُّل الشدة أو الظروف القاسية. وبتشارُك الجراثيم في تلك المادة الواقية, تصبح المجموعة بكاملها متحمّلة للمضاد الحيوي ومقاوِمة له وغير متأثرة به, رغم أن أفرادًا قليلين فقط هم الذين يفرزون مادة الإندول.
ويقول أحد المشاركين في الدراسة, وهو عالم الطبيعيات هاين يوك Hyun Youk من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا: «المقاومة للمضادات الحيوية هي قضية صحية عالمية, وغايتنا بالأساس هي فهم كيف ولماذا تصبح الجراثيم مقاومة لمضاد حيوي معين, لكن هذه العصيات الكولونية طوّرت استراتيجية ماكرة جدًا, وهذا يلقي الضوء على مدى صعوبة السيطرة على المقاومة الجرثومية للمضادات الحيوية في الواقع».
وفي تفاصيل الدراسة, قام الفريق باختيار ومراقبة جراثيم إفرادية ضمن حشد جرثومي كبير مقاوم للمضادات الحيوية, وقد اكتشفوا أن معظم الأفراد - كأفراد - كانوا أقل مقاومة من المجموعة ككل, إلا أن أفرادًا نادرين كانوا أكثر مقاومة من معدل مقاومة الحشد ككل. هذا الأمر أثار دهشة الباحثين واستغرابهم, ولم يجدوا تفسيرًا للموضوع إلا أن «العناصر المقاومة تفرز شيئًا ما لمساعدة العناصر الأقل مقاومة» على حد تعبير عالم الهندسة الحيوية جيمس كولينز James Collins, وهو أحد المشاركين في الدراسة. وقد اتضح في النهاية أن الجراثيم الأكثر مقاومة كانت تنتج مادة الإندول. وبعد تحليلات إضافية, اكتشف الفريق أن الإندول كان يدور في مضخات خلوية تدفع الأدوية خارجًا, وتحمي من الأذية الناجمة عن الجذور الحرة المتفاعلة كيميائيًا.
وعندما فتش الباحثون عن تبدلات وراثية يمكن أن تفسر إنتاج الإندول, وجدوا طفرات عديدة حَمَت الجراثيم من المضادات الحيوية. كما أنه لم يكن هناك مجال لأي إنتاج إضافي للإندول, بل بدا للباحثين أن الجراثيم المقاوِمة, المطمئنة البال للمضادات الحيوية, كانت قادرة على أن تحافظ على إنتاج مستوياتها العادية من الإندول, وأن تتشاركها مع جيرانها. بينما الجراثيم التي ليست مقاوِمة للدواء أوقفت صناعة الإندول استجابة للمضادات الحيوية. لكن الأمر الشديد الإدهاش هو أن إنتاج الإندول جاء في النهاية على حساب الجراثيم المقاوِمة, بسبب أنها صرفت المزيد من الطاقة لصناعة الإندول, ولم يتبقّ لها إلا القليل من الطاقة لتستخدمها في نموها وتكاثرها, فنمت ببطء أكبر من عناصر الأسرة الأخرى المتغايرة (أو الطافرة) التي لم تنتج الإندول. ورأى الباحثون أن هذا يشبه الفكرة التطورية المسماة «انتقاء السلالة»kin selection, وهي عملية يمكن أن تعزز البقاء للأقرباء المتغايرين أو الطافرين. وعلى هذه النقطة يعلق يوك قائلًا: «هذا الاكتشاف هو أول مثال ملاحظ عن الغيرة والإيثار في مقاومة الجراثيم, كما أنه يعزز كذلك الفكرة المتنامية بأن مجموعات الجراثيم يمكن أن تسلك سلوكًا يشبه متعضية متعددة الخلايا أكثر مما هي الفكرة التقليدية عنها».
أما كولينز فيعبر عن حيرته في سبب وجود هذا النمط من غيرة الجراثيم, لأنه «إذا مات عدد أكبر من الجراثيم غير الحصينة, فسيكون ذلك في مصلحة الجراثيم المقاوِمة, التي سيبقى لها مجال أوسع للتضاعف والسيطرة». ويضيف: «ربما تستخدم مجتمعات الجراثيم هذا السلوك كاستراتيجية تساعدها على البقاء, كمجتمع, خلال الظروف القاسية,» موضحًا «أن المحافظة على السلالة الجرثومية ككل سوف يحفظ الطفرات المفيدة في المجموع المورثي للسلالة».
أخيرًا يطرح يوك فكرة مهمة يوجهها إلى الأطباء الذين يمكن برأيه أن يلجأوا يومًا ما إلى تغيير استراتيجيتهم الهادفة إلى تجنب المقاومة الجرثومية للمضادات الحيوية, ربما بتغيير عدد أقراص الدواء التي تؤخذ يوميًا, بحيث يغدو تطوير المقاومة لدى الجراثيم أصعب وأصعب. ولا ينسى يوك طبعًا توصية المرضى خصوصًا والناس عمومًا بألا يستسهلوا تناول المضادات الحيوية, وألا يتناولونها بجرعات غير كاملة, من أجل تخفيف مقاومة الجراثيم لها, وبالتالي لتسهيل الأمر على الأطباء وعلى الباحثين وتصعيبه على الجراثيم, ومن أجل خير الإنسانية ككل في النهاية. فهل يقتنع الناس بذلك ونرى لديهم سلوك غيرة وإيثار ومكر، كما هو الأمر عند بعض الجراثيم العدوّة لصحة الإنسان وبقائه؟!
|
.jpg)
ليست هناك تعليقات :
إرسال تعليق